Can't get any data. Weather Report , 0°C, Can't get any data.

الجن وحقيقة وجودهم

الجن وحقيقة وجودهم

بسم الله الرحمن الرحيم

عالم الجن والشياطين عالم غيبي لا نراه ولا نسمعه، ومع غيبته عنا إلا أن الكثيرين قد أطلقوا مخيلتهم في رسمه وتصويره فصوره الأكثر على أنه عالم الرعب والأهوال، وجحده آخرون وأنكروا وجوده، ونحاول في هذا المقال أن نرسم صورته كما صورها وبينها القرآن الكريم والسنة الصحيحة فهما الجديران بذلك وما عداهما فهو ضرب من الخيال أو نوع من الكذب أو تجربة جزئية لا ترقى للحقائق التي يعتمد عليها.

معنى الجن والشياطين

الجن ضد الإنس والواحد جني، سميت بذلك لأنها تتوارى عن الأنظار ولا ترى، وأما الشياطين فجمع شيطان، وهو كل عاتٍ متمرد سواء من الإنس أو الجن أو الدواب، وعليه فالشياطين ليسوا سوى عتاة الجن ومردتهم.

قال ابن عبد البر: ( الجن عند أهل الكلام والعلم باللسان منزلون على مراتب، فإذا ذكروا الجن خالصاً قالوا جني .. فإن أرادوا أنه ممن يسكن مع الناس قالوا عامر والجمع عمار وعوامر .. فإن كان ممن يعرض للصبيان قالوا أرواح .. فإن خبث وتعزم فهو شيطان .. فإن زاد على ذلك فهو مارد .. فإن زاد على ذلك وقوي أمره قالوا عفريت والجمع عفاريت والله أعلم بالصواب).

إثبات وجود الجن

الأدلة على وجود الجن من القرآن كثيرة ، ولا أدل على ذلك من أن الله سمى سورة كاملة باسمهم ( الجن ) وقص فيها من أخبارهم وأقوالهم الشيء الكثير، وأما أحاديث السنة الدالة على وجودهم فأكثر من أن تحصر.

أصل خلق الجن

خلق الله الجن قبل أن يخلق الإنس والدليل على ذلك قوله تعالى { وَإِذ قُلنَا لِلمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّهِ } الكهف 50، فذكر أن إبليس من الجن وأن خلقهم كان سابقاً لخلق آدم عليه السلام ، وقال تعالى { وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ مِن صَلصَالٍ مِن حَمَإٍ مَسنُونٍ * وَالجَانَّ خَلَقنَاهُ مِن قَبلُ مِن نَارِ السَّمُومِ } الحجر 26-27، أما مادة خلقهم فهي النار بدليل قوله تعالى { وَالجَانَّ خَلَقنَاهُ مِن قَبلُ مِن نَارِ السَّمُومِ } الحجر 27، وسميت نار السموم لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها، وقال تعالى { وَخَلقَ الجَانَّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ } الرحمن 15، والمارج أخص من مطلق النار لأنه اللهب الذي لا دخان فيه.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم }. ولا يخفى أن خلق الجان من نار لا يلزم منه أن أشكالهم وهيئاتهم كالنار، فالبشر خلقوا من تراب وليسوا كذلك، ولكن يؤخذ منه أن في الجن صفات من صفات النار كالخفة واللطافة مثلما للبشر من صفات التراب كالثقل والكثافة.

وجنس الجن كجنس الانس فيهم الذكور والاناث، قال تعالى { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الجِنِّ فَزَادُوهُم رَهَقَاً } الجن 6، وفي حديث زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) والخُبُث بضم الخاء والباء ذكور الجن والخبائث إناثهم.

وقد أثار البعض سؤالاً قديماً وهو أنه: إذا كان الجن قد خلقوا من النار فكيف يعذبون بها؟ وأجاب عن ذلك ابن عقيل في كتابه (الفنون) فقال:(إعلم أن الله تعالى أضاف الشياطين والجن إلى النار حسب ما أضاف الانسان إلى التراب والطين والفخار، والمراد به في حق الانسان أن أصله الطين وليس الآدمي طيناً حقيقة ولكنه كان طيناً ، كذلك الجان كان ناراً في الأصل بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم ( عرض لي الشيطان في صلاتي فخنقته حتى وجدت برد لعابه على يدي ) ومن يكون ناراً محرقة كيف يكون لعابه أو ريقه بارداً أو له ريق أصلاً !! ومما يدل على أن الجن ليسوا بباقين على عنصرهم الناري قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي ) وبيان الدلالة منه أنهم لو كانوا باقين على عنصرهم الناري .. لما احتاجوا إلى أن يأتي الشيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار ولكانت يد الشيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس به ابن آدم أحرقه كما تحرق الآدمي النار الحقيقية بمجرس المس ) أ.هـ

وبهذا يعلم أنه كما يتأذى الانسان من ضربه بالطين والحجر مع أنه خلق من طين، فإن الجن يتأذون ويحترقون بالنار مع أنهم خلقوا منها.

الجن مكلفون

قال تعالى { وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعبُدُونِ } الذاريات 56 ، فدلت الآية على أن الغاية التي لأجلها خلق الجن والانس هي العبادة فهم مكلفون بها، وهذا أمر مجمع عليه فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الثقلين الانس والجن، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: ( وأما كونهم مكلفين فقال ابن عبد البر: الجن مكلفون .. والدليل ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم وما أعد لهم من العذاب ، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهى مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جداً) من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الانس والجن ) أخرجه البزار.

وإذا ثبت أنهم مكلفون فهم مثابون على الطاعة مستحقون العقاب على المعصية، قال تعالى { وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبَاً } الجن 15، وقال أيضاً { وَأَلَّوِ استَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسقَينَاهُم مَاءً غَدَقَاً } الجن 16

وقال الحافظ أيضاً: (ونقل عن مالك أنه استدل على أن عليهم العقاب ولهم الثواب بقوله تعالى { وَلِمَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ } ثم قال { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } والخطاب للانس والجن ، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب ).

والجن متفاوتون – كالانس – في مراتبهم وعبادتهم لربهم فمنهم الصالحون ومنهم دون ذلك ، قال تعالى { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدَاً } الجن 11، وقال تعالى { وَأَنَّا مِنَّا الـمُسلِمُونَ وَمِنَّا القَاسِطُونَ فَمَن أَسلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوا رَشَدَاً } الجن 14

قدرات الجن

ذكر الحق سبحانه صوراً تبين مدى قوة الجن وقدرتهم التي تفوق قدرة البشر وطاقتهم في جوانب معينة ، من ذلك قدرتهم على التأثير بالوسوسة أو الإيحاء دون تدخل مادي ، وهذا المعنى يلخصه الشيطان في خطبته لأهل النار الذين اتبعوه ، قال تعالى { وَقَالَ الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُم وَعدَ الحَقِّ وَوَعَدتُكُم فَأَخلَفتُكُم وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم مِن سُلطَانٍ إِلا أَن دَعَوتُكُم فَاستَجَبتُم لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَا أَنَا بِمُصرِخِكُم وَمَا أَنتُم بِمُصرِخِيَّ إِنِّي كَفَرتُ بِمَا أَشرَكتُمُونِ مِن قَبلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ } ابراهيم 22

فالسلطان الذي نفاه الشيطان عن نفسه سلطان الحجة وسلطان القوة المادية فهو في وسوسته وإيحائه للناس لا يستند إلى حجة أو برهان أو قوة أو سلطان وإنما هي إثارة الشهوات والنعرات، ومع ذلك أنظر كم أضل من البشر.

ومن الآيات التي تدل على قدرة الجن قوله تعالى { وَأَنَّا لَمَسنَا السَّمَاءَ فَوَجَدنَاهَا مُلِئَت حَرَسَاً شَدِيدَاً وَشُهُبَاً * وَأَنَّا كُنَّا نَقعُدُ مِنهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمعِ فَمَن يَستَمِعِ الآنَ يَجِد لَهُ شِهَابَاً رَصَدَاً } الجن 8-9، ولا يخفى أن قعودهم في مقاعد لاستراق خبر السماء يدل على قدرة عظيمة ميزهم الله بها وهذه القدرة وإن ضعفت بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم إلا أن ضعفها بسبب عامل خارجي وهو الشهب التي يرمون بها أما القدرة الذاتية فهي قائمة.

طعام الجن

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن ) قال عبد الله: فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال ( لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علف لدوابكم ) رواه مسلم

ولا يخفى أن ذكر هذين الصنفين من الطعام لا يدل على أن الجن عامة مقتصرون عليهما ، فربما كان ذلك من أهم طعامهم أو أنه مختص ببعضهم على حسب أصنافهم وأماكن إقامتهم وتحول العظم إلى أوفر ما يكون لحماً وكذلك الروث إلى علف للدواب مختص بالمؤمنين فحسب، أما الكفار من الجن فليس لهم ذلك، بل هم يستحلون كل طعام لم يذكر اسم الله عليه كما في الحديث ( إن الشيطان يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه ) رواه مسلم

ومما يمنع الشياطين من تناول طعام الانس ذكر اسم الله عليه ، فعن جابر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( إذا دخل الرجل بيته فذكر الله تعالى عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء ، وإذا دخل ولم يذكر الله تعالى عند دخوله قال الشيطان أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله تعالى عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء ) رواه مسلم

مساكن الجن

لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة وصفاً تفصيلياً لمساكن الجن أو شكل عيشتهم وهل لهم مدن وقرى كالحال عند البشر أم أنهم يعيشون في البراري والفيافي أم هل هم مختلطون بالبشر في بيوتهم ومساكنهم ، إلا أنه ورد في السنة تعيين بعض الأماكن بأن الشياطين تتواجد فيها ، ففي حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إن هذه الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث )، قال الخطابي وأصل الحش النخل المتكاثف ، وكانوا يقضون حوائجهم إليها قبل أن تتخذ المراحيض في البيوت ، ومعنى محتضرة أي تحضرها الجن والشياطين وتنتابها لقصد الأذى

تشكل وتصور الجن

عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (الجن ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وصنف يحلون ويظعنون ) رواه الطبراني، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف والجن يتصورون في صور الابل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير وفي صور بني آدم، وقد أتى الشيطان لقريش في صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة، هل يقتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم أو يحبسوه أو يخرجوه، كما قال تعالى { وَإِذ يَمكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَو يَقتُلُوكَ أَو يُخرِجُوكَ وَيَمكُرُونَ وَيَمكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيرُ الـمَاكِرِينَ } الأنفال 30

ولما أجمعت قريش الخروج إلى بدر ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب فكاد ذلك يثنيهم، فجاء لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه، فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم، فلما دار القتال ورأى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فركض على عقبيه، فقالوا إلى أين يا سراقة ؟ ألم تكن قلت إنك جار لنا لا تفارقنا ؟ فقال { إِنِّي بَرِيءٌ مِنكُم إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَونَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ } الأنفال 48 “.

وثمة آثار كثيرة تبين تمثل الجن ببني آدم وهي تدل على قدرة الجن على أن تتشكل بصور مختلفة تلك نبذة مختصرة عن هذا العالم المجهول والذي استندنا في تصويره ورسمه إلى نصوص القرآن والسنة والتي بينت بجلاء حقيقة هذا العالم بعيداً عن الخرافات والخيالات الجانحة.

المؤلف: د. عمر سلمان عبد الله الاشقر

تقييم هذا المقال
16out of 5
Visitors Vote
0out of 5

4

4 out of 5
Good

Tags assigned to this article:
الجن

مقالات ذات صلة

لا يوجد تعليقات

كتابة تعليق
لا تعليقات حتى الآن! You can be first to comment this post!

كتابة تعليق

Your e-mail address will not be published.
Required fields are marked*