Can't get any data. Weather Report , 0°C, Can't get any data.

الفطرة والمغالطات حولها

الفطرة والمغالطات حولها

النقد والتقويم لمنتقد عقائد الماتريدية

بِسمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرحيمِ

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء والمرسلين.
وبعد:
فلما كان الدفاع عن الدين واجباً على كل قادر، وكذلك التمييز بين الصحيح والباطل مما يقوله من ينصب نفسه دالاً على الحق الذي يراه فيه، أو ينصبه غيره ليقوله،
والجدال بالتي هي أحسن لا شك أنه واجب لا يجوز لمسلم أن يتخلص عنه إذا كان قادراً عليه.
ونقد الكتب والمؤلفات لا شك أنه من هذا الباب، وبيان الصحيح منها من الباطل لا شك في وجوبه. ويجب على الإنسان أن ينصر ما يعتقد أنه الحق، ودَفْعُ ما يعتقد أنه الباطل، سواءً كان هذا الباطل صادراً من مسلم حسن النية والقصد أو من سيء النية والقصد، وسواءً كان هذا الباطل من عالم أو من مدع للعلم وهو في الحقيقة عارٍ عنه وجاهل به. ويندرج في هذا من ينتسب إلى أهل السنة ومن يتبرأ منهم ويظن أنه من الناجين ومن المهتدين.
لهذا كله، ولغيره، رأيت أنه يتحتم عليَّ أن أقيد بعض الملاحظات على الكتاب الموسوم بـِ ” منهج الماتريدية في العقيدة”.
ولضيق الوقت الذي أملكه أخَّرْتُ ذلك مراراً وأياماً بل وشهوراً، آملا أن أحصل على زمان كافٍ أقيد فيه بتفصيل ما أريد قوله في هذا الباب، وأعتمد في ذلك على الأدلة والنقول المفصلة، ليكون حجة واضحة بذاته على كل من يقرأه.
ولكن لما طلب بعض الإخوة مني أن أكتب ردا ولو مختصرا على هذا الكتاب دفعني هذا إلى تغيير العزم، والاقتصار على تنبيهات جليلة. وإشارات دقيقة، لا تخلو من استدلالات لطيفة. فما لا يدرك جله ؛ لا يترك كله.
وأنا في ذلك موقن أن الله تعالى لا يترك من هو مخلص النية يريد الاهتداء إلى الحق الصريح إذا خلص نفسه من الشوائب. ولا توفيق إلا من الله تعالى، وهو القوي الحكيم.

نبذة عن الكتاب متعلَّق النقد
هذا الكتاب صادر عن عدم دراية بحقيقة علم التوحيد، وتقليد محض وتعصب شديد، كل هذا منا الآن ادعاءٌ، دليله ما سيأتي من كلام.
وصاحب الكتاب د. محمد بن عبد الرحمن آلخميس، سائرٌ على خُطى صاحبه الآخر المشتد في تعصبه وعدم معرفته بكثير من الأمور التي يكتب فيها المدعو بسفر الحوالي، في كتابه المسمى بمنهج الأشاعرة في العقيدة.
وكلٌّ منهما يشترك مع الآخر في صفات أهمها :
1– الجهل الكبير بعقائد أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق (الأشاعرة والماتريدية).
2– عدم القدرة على الخوض في العقائد خوض المجتهدين، بل كل منهما لم يخرج لجهله ولضيق أفق عقله عن رتبة التقليد.
3– وهما بعد ذلك يقدسان كلام ابن تيمية، ويأخذان ردودهما وانتقاداتهما على الأشاعرة والماتريدية من كلامه، ومعلوم أن ابن تيمية من أشد أعداء هؤلاء، وقد بينا نحن في غير موضع أن ما ينقله ويشرحه من مذهب أهل السنة لا يُرْكَنُ إليه، سواء أكانت باللفظ أو بالمعنى، وهو من حيث المعنى لا يكاد ينقله عن خصومه كما يريدونه هم، بل يفسره ويوضحه كما يحلو له هو ثم يشرع في التشنيع عليهم بناءاً على نسبة هذا المعنى اليهم. وهذا يستدعي الغاية من العجب.
4– وفوق هذا، فهما لما سبق يشتركان في الجهل الكبير بمعنى النصوص الشرعية التي وقع الخلاف في معناها، وبالتالي فلا أحد منهما عنده القدرة على الانصاف، لتلبسه بما يضادُّه.
وتوجد أسباب أخرى غير ما ذكرنا هنا، لم نعرج عليها للاختصار.

منهجنا في النقد
إذا كانت المسألة التي يعترض عليها المؤلف المذكور بينة ولم يكن لاعتراضه وجه، اكتفينا بالكلام المختصر الكافي في دفع شبهته وبيان وجه الحق في المسألة.
وإذا نقل نقلاً، فإن سلمناه له بينا المراد من الكلام المنقول، وإلا رددناه عليه وبينا النقل الصحيح.
وإذا احتج بدليل أو نص ناقشناه فيه وبيَّـنَّـا ضعف كلامه وسقم أحواله، وأتينا بالوجه الصحيح للنص، وذكرنا الدليل الصحيح بإشارة أو عبارة.
والتفسيرات الباطلة نردها عليه، ونبين الصحيح.
والتهويلات؛ في حال كون المسألة مُحتملةً للخلاف، نقلِّلُ من شأنها، ونهوِّنُ على القارئ الأمر، بإيضاح المقام الصحيح للمسألة.
إلى غير ذلك مما ستلاحظه.
واعتمادنا الأول بعد ذلك هو في إرجاع القارئ إلى المصادر الأصلية لعقائد أهل السنة والجماعة أهل الحق، ليتضح له الحال، ويتبين له الحق من الضلال.
وسنذكر كلامه قبل الرد عليه وذلك إذا كان الرد موجها عليه مباشرة ولا يشترك فيه مع غيره؛ دون تلبيس، فإنه وسيلة الجاهل الضعيف، وإلا اكتفينا بذكر المعنى متعلَّقِ الرد..
الشروع في نقد ما في هذا الكتاب

كلام عن الفطرة
في صفحة (5) يقول: ولو أن الناس تُرِكوا دونما مؤثرات خارجية، لنشأوا كلهم على الإسلام، إذ هو الفطرة الصحيحة. أهـ.
ثم قال في صفحة (6): فالإنسان ليس بحاجة إلى قواعد علم الكلام والى استدلالات الفلاسفة والنظار وغيرهم حتى يتوصل إلى الاقرار بوجود الله تعالى، فإن هذا لشيء جبلت عليه النفوس وفطرت عليه العقول. أهـ.
يريد بهذا الكلام أن يكرر ما هو معهود ممن هو مثله من أنه لا حاجة للناس إلى الاستدلال ولا حاجة لهم إلى علم الكلام، ويلجأ هو وأمثاله في بيان عدم الحاجة إلى القول بأن وجود الله تعالى أمر فطري مفطور عليه الإنسان، بل يقولون أن كل العقائد هي مفطورة في الإنسان ولذلك تراهم يستدلون على عقائدهم بالفطرة ؟!
ولذلك تراهم يُرجعون إلى الفطرة جميع عقائدهم، عقائد التشبيه والتجسيم من كون الله تعالى في جهة وأنه يتحرك وأن له حيزا إلى غير ذلك، ويدعون أن كل ذلك معلوم بالفطرة.
ويستدلون عادة بقوله تعالى ” فطرة الله التي فطر الناس عليها”، وبقول الرسول عليه الصلاة والسلام ” ما من مولود الا يولد على الفطرة، أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه… “، ولا يذكرون تكملة الحديث كما سنذكرها لأنها تنقض عليهم ما يريدون إثباته.
ويوردون الحديث القدسي ” وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وانهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم.”، كما فعل كاتب هذا الكتاب.
ونحن سوف نناقش هذه الجهات باختصار بما يكفي اللبيب والعامي.
فأما معنى الفطرة ؛ فقد قال ابن فارس في المقاييس : فَطَرَ : الفاء والراء أصل صحيح يدل على فتح الشيء وإبرازه.
ثم قال : والفطرة : الخِلقةُ.أهـ
وذكر الراغب الأصفهاني هذا المعنى في المفردات، ثم قال: وفطرت العجين إذا عجنته فخبزته من وقته، ومنه الفطرة، وفطر الله الخلق، وهو ايجاده الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعلٍ من الأفعال.أهـ
فالفطرة في اللغة معناها: الخِلقةُ على هيئة معينة.
وهذا المعنى اللغوي هو أصل المعنى المراد في الحديث والآية، فالله تعالى خلق الناس على هيئة معينة، وأودع فيهم من القوى ما لو استعملوها استعمالا صحيحا سليما لأدى بهم هذا الاستعمال إلى الدين الحق الذي هو الإسلام. ولهذا قال الاصفهاني : ” وفطرة الله هي ما ركز فيه من قوته على معرفة الإيمان.”أهـ
فهي إذن القوة المودعة – بلا تأثير خَلقيٍّ للعبد – من الله تعالى هبة وتفضلا، يخلق الله عند استعمالها استعمالا صحيحا نتائجها من العلم بالله تعالى وبدينه الحق وغير ذلك.
وقد أوردت نصوصا كافية في هذا المعنى في بحثي المختصر في معنى الفطرة.
وأما الحديث الذي ذكره هذا المؤلف ويذكره معه أصحابه. فلطالما تمنيت أن يشير أحدهم إلى الرواية الكاملة له ويذكرها، ويفسره تفسيرا صحيحا بملاحظة جميعه لا بملاحظة بعضه كما ذكره هنا، ولكن إلى هذا الزمان لم أجد أحدا منهم يورده كاملا، وما ذاك الا لأنهم يعلمون أن آخر الحديث يرد على ما يريدون هم اثباته بما يذكرونه منه ويقتصرون عليه.
وقد ذكرنا نحن هذا الحديث كاملا في بحث الفطرة المذكور، وأشرنا إلى أقوال العلماء فيه، ونكتفي هنا بذكر ما تقوم به الحجة، ففي نهاية الحديث كما في بعض الروايات الصحيحة التي رواها الامام مسلم وغيره كالبيهقي، وذكرها الامام السيوطي في الجامع الصغير.. يقول الرسول الكريم بعد قوله ” يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”، “فإن كانا مسلمين فمسلم”. هذه الزيادة التي لم أرَ أحدا من اصحاب هذا المؤلف المشار اليه يذكرها، وهي تنص صراحة على أن الطفل كما يتأثر بوالديه ويلحق بهم في الحكم أن كانا نصرانيين أو يهوديين أو مجوسيين، فكذلك يتأثر بهما ويلحق بهما في الحكم أن كانا مسلمين، وهذا يدل على أن الطفل في الأصل لا يقال له مسلم أو كافر، ولكن الحكم عليه بالكفر أو الإيمان أي الإسلام، إنما هو حكم تبعي إلحاقيٌّ لا أصلي، أي أن حاله يلحق بحال والديه أو الدار التي وجد فيها أو غير ذلك، مما هو مذكور في كتب الفقه.
وعندي أن المسألة أوضح من أن تحتاج إلى استدلال فإن ما يدَّعونَ أنه مفطور في الناس من العلم بوجود الله تعالى وصفاته، لا يشعر به أحد منهم ولا من غيرهم في أنفسهم عندما كانوا أطفالا، وكذلك لا يشعرون به في الأطفال الذين نراهم ويرونهم، وإنما يثبت هذه العلوم من يثبتها ويتوهم وجودها في الفطرة عندما يخلق الإنسان ويخرج من بطن أمه لفرط تعصبه وضيق عقله. وأما ما قد يرونه من بعض الناس عندما يقولون بما يقول به هؤلاء من عقائد وأقاويل، فإنما هو أثرٌ لتقليده غيرَه، فلا أحد من الصغار ولا الكبار من توجد معه هذه العقائد بل ولا غيرها من العلوم عندما يخرج من بطن أمه.
لأن الإنسان يخرج إلى هذا العالم عاريا عن أي علم، وقابلا لأن يتعلم كما هو مذكور في نص الآية التي سنذكرها.
وأيضا فهذه الأمور المفطورة كما يدعي هؤلاء في الناس منذ خلقهم ! هي لا شك علومٌ توجد معهم منذ الخلقة والولادة على ما يدعيه هؤلاء !
وهذا باطل، كيف يكون صحيحا والله تعالى يقول في كتابه العظيم “والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا”. فأنت ترى الآية قد نفت وجود أي علم، والنفي المسلط على النكرة يفيد العموم كما تعلم، فهذا يستلزم عدم وجود أي علم في الإنسان حين ولادته. وهذا نص صريح على عدم وجود أي نوع من انواع العلوم في فطرة الإنسان، بل كل ما فيه من هذا الجانب إنما هي قوى قادرة على الوصول إلى العلوم والادراكات.
وقد ناظَرْتُ احدَهم في هذا بعد أن ادعى نفس الادعاء المذكور فقلت له : هل هذه الامور التي تدعيها هي مخلوقة مع الإنسان منذ الولادة ؟
فقال : نعم.
قلت : هل هي علوم معينة بما تدعيه من وجود الله تعالى وغير ذلك؟
قال : نعم.
قلت، فأنت تقول بأن الإنسان يُخلق معه علومٌ وهو خارج من بطن أمه ؟!
قال : نعم !
قلت : فهذه مخالفة صريحة لنص الآية ” والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا “.
فسكت، وبُـهر، واعترف بالغلط.
فقلت له: فالفطرة المذكورة لا يمكن أن تكون من جنس العلوم بنص الآية، فلزم أن تكون من قبيل الشروط أو الاسباب للعلوم، والقابلية.
وهذا هو ما نص عليه المحققون من العلماء المتقدمين والمتأخرين.
وهذه الفطرة من شأنها أن تكون مائلة إلى الدين، بالقوة، لا بالفعل. وهذا هو معنى قوله تعالى ” حنيفا مسلما “، فالأصل أن يكون الوصف مقيدا، لا كاشفا لأن هذا هو المستلزم لزيادة الفائدة، لا مجرد تأكيدها، خاصة في حال عدم وجود منكر، فالكل يعلم أن إبراهيم كان حنيفا، فالزيادة بالحنيف هنا يفيد التقييد، لا مجرد الكشف، والتقييد نوع من التخصيص، فالحنيفية أعم إذن من الإسلام، والأعم لا يساوي الأخص كما هو واضح، فالناتج إذن أن الحنيفية ليست هي عين الإسلام، والحنيفية هي الفطرة، فلو كانت الحنيفية هي نفس الإسلام لما جاز وصفها به. ولكنها تستلزمه، فوصفت به، والإسلام غيرها، ولكنه لازم عنها، وغير متعارض معها.
وظاهر كلام المؤلف المذكور، أن الفطرة هي علوم توجد مع الإنسان، وظاهرٌ أن هذا باطل.
فإن قصد أن الفطرة هي القابلية والتأهل لالتزام الدين والأخذ به، فلا نخالفه في ذلك، وليس ذلك ما يقصده. ولكن نخالفه أنها هي فقط كافية مطلقاً للدلالة إلى الدين، بل نقول إنه يلزمها قواعد عقلية أو وجدانية قلبية، وهي تكون منبعثة عنها بالارادة الإنسانية الجازمة المتوجهة نحو اقتناص العلوم والمعارف، وتكون مقوية حارسة للفطرة.
وبهذا يثبت أن البحث والنظر لازم لا يمكن أن ينفك الإنسان عنه، وهو المقصود بكلام الأعرابي الذي سئل عن كيفية معرفته لله تعالى، فاستدل لهم بالكون وعظمته وظهور الحكمة فيه. وقد ذكر المؤلف هذه القصة، وهي دليل عليه لا له.
وبهذا نكون قد أشرنا إلى نقاطٍ كافية ترشد الطالب إلى الحق في هذه المسألة.

المؤلف: سعيد فودة

التقييم من الناحية العلمية
16.5out of 5
التقييم من الناحية العقائدية
17.5out of 5
التقييم من ناحية كشف الشبهات
18.5out of 5
Visitors Vote
3out of 5

Overview

مقال مفيد ومهم للعلماء وطلاب العلم وخاصة ممن يبغون معرفة الحقيقة، وكشف الشبهات المتعلقة بمسائل عقائدية لأهل السنة والجماعة.

4.28

4.28 out of 5
Good

Tags assigned to this article:
عقائدكشف شبهاتماتريدية

مقالات ذات صلة

لا يوجد تعليقات

كتابة تعليق
لا تعليقات حتى الآن! You can be first to comment this post!

كتابة تعليق

Your e-mail address will not be published.
Required fields are marked*