Something went wrong with the connection!

اكل الربا ومضاره

اكل الربا ومضاره

أكل الربا له مضار كثيرة جداً من أبرزها:

ارتفاع الأسعار، وانتشار البطالة، ووقوع العداوة والبغضاء والحقد بين طبقات المجتمع، ومن أبرزها أيضاً حرمان الأمة من أي مشروع إنمائي يعود بالخير عليها، وهذه بعض مضار الربا التي حرمها الله تعالى.

واما ربا القروض وهو ربا القرآن، وهو ربا حقيقي، وهو الربا الجاهلي، وعن ربا البيوع وهو الربا المحمول على الربا الحقيقي ربا السنة، لأن السنة حرمته، وهو الربا الخفي، فربا القروض هو الربا الجلي، وربا البيوع هو الربا الخفي، وهذا التحريم متعلق بالفطرة، فالإغريق والرومان وفلاسفة الأرض في قديم الزمان وجدوا في الربا تحطيماً للمجتمع، والأصل في ذلك أن المال لا ينبغي أن يلد المال، إذا ولد المالُ المال تجمعت الأموال في أيدٍ قليلة لكن الأعمال النافعة الزراعية والتجارية والصناعية والخدمية هي التي يجب أن تولد المال.
وأن هناك مخروطاً يمثل موضوع الربا. فمحوره إن صحّ التعبير هو “السعر”، فكلما ارتفع السعر ضاقت الشريحة المنتفعة من هذه السلعة، وإذا ضاقت الشريحة صار التضخم النقدي، وانقسم المجتمع إلى طبقتين: طبقة غنية مترفة وطبقة محرومة ونشأ الصراع. وكلُّ ما يجري في العالم اليوم من صراعات هو بسبب تجمع الأموال في دول قليلة أو في أفرادٍ قليلين، وحرمان الكثرة الكثيرة من هذا المال، والوضع الذي أراده الله جلّ جلاله هو أن يكون المال متداولاً بين جميع أفراد الأمة، الكتلة النقدية يجب أن تكون موزعة بين الجميع ليعيش الجميع في بحبوحة، وفي وئام، وفي محبة.
ويجب أن تعلموا أن الله حينما يحرم شيئاً فلأنه خالق الكون، الصانع الرب العليم الخبير الحكيم، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [سورة فاطر: 19] إذا حرم الله شيئاً ينبغي ألا ننتهي من بيان مضاره، وكلما زدنا الأمر بحثاً تكشفت لنا مضار لم نكن نعلمها.

الربا يدمر الأمم بكاملها

ما من معصية توعد الله بها مرتكبها بحرب من الله ورسوله أشد من الربا، لأن الربا يدمر مجتمعاً بأكمله، وحينما تصبح السلع فوق طاقة الأفراد الشرائية، تصبح الطرق أمام الشباب مسدودة، فينزح الشباب، وكل شاب حينما يرى الطريق مسدوداً أمامه فحلمه الوحيد أن يهاجر من بلده، فإذا خلت الأمة من أبنائها، من اليد العاملة، من طاقتها الفكرية، من شبابها، أصبحت أمة منهارة، تعيش على فتات الأمم الأخرى، فالقضية متداخلة، والله جلّ جلاله حينما حرم الربا فمعنى ذلك أن الربا يدمر الأمة بكاملها. لكن الآن آمنّا أن الربا حرام وصدقنا، فكيف نتقي الوقوع في الربا؟

التدابير العامة الواقية من الربا

ما هي التدابير العامة الواقية من الربا؟ ما البديل؟ أين النظام الاقتصادي في الإسلام؟ ما البديل الذي يحقق مطالب الناس؟ الحقيقة هناك ملاحظة وهي ان النظام الإسلامي هو نظام متكامل، أي مستحيل أن تأتي إلى إنسان مادي النزعة مقطوع عن الله عز وجل وتقول له: إياك أن تقرض قرضاً بفائدة لأنه حرام، فيتهمك بالجنون ويقول لك: أأجمد أموالي؟ ويحدثك عن التضخم النقدي، وعن انهيار العملة، وأن كل قرض حسن إتلاف للمال!
فهذا النظام الإسلامي نظام متكامل فحينما يكون الإنسان مؤمناً بالله، مؤمناً بما عند ربه من إكرام في الآخرة، مؤمناً بمهمته بالحياة، مؤمناً بدوره الإصلاحي، حينما ينقل كل اهتماماته إلى الآخرة ويرى في القرض الحسن قربة إلى الله عز وجل، لا تخاطب إنساناً مادياً بأحكام الشريعة التفصيلية، العوام والناس لا يخاطبون إلا بأصول الشريعة، بينما المؤمنون هم الذين يخاطبون بفروع الشريعة، وهؤلاء تقول لأحدهم: أنت مؤمن وهذا كلام خالق الكون فاصدع، ومع ذلك فالله جل جلاله مع كثرة الشُبه والمبادئ الهدامة والنظم الفاسدة بالمجتمع الحديث فالله جل جلاله وَفّر للأمة من يحلل لها الأمر الإلهي ويبين عظمته، وفوائده، وأبعاده، ومراميه، وكما أن هناك ضلالات فهناك بينات.

الإيمان بالله هو الوقاية الأولى من الربا

إن التدبير الأول الواقي من الربا أن تكون مؤمناً بالله، إنك إن كنت جائعاً وأمامك طبق نفيس وسلاح مشهور أمام رأسك إن ان أكلت يطلق النار فهل تأكل ام لا؟ طبعا مستحيل ان تأكل!
مبدئياً، إذا آمنت بالله عز وجل آمنت به خالقاً، وأنَّ أمرك كله بيده، وأن كيانك وأموالك بيده، وأن الله قادر على إتلاف المال كله لأسباب بسيطة، والله جل جلاله قادر على أن يمحق المال، وقادر على أن يجعل المال كله لا يجدي أمام عضو متعطل في جسدك فإذا آمنت بالله، وبما عنده من إكرام فيما لو أطعته، وبما عنده من عذاب أليم في الدنيا والآخرة فيما لو عصيته، فالإيمان بالله هو أكبر وقاية من أن تقع في الربا، وكل إنسان يقع في الربا ولا يبالي فيجب الحكم عليه حكماً قطعياً أن إيمانه بالله ضعيفا، فالإيمان أول واق من الوقوع في الربا، فكل إنسان يأكل الربا أو يوكله فهذا مؤشر خطير على أن في إيمانه ضعفاً شديداً، الدليل قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [ سورة النور: 51] فإذا قلت: سمعت و أطعت فأنت مؤمن، و إن قلت: سمعت و لم أطع فأنت لست مؤمناً، نص الآية واضح جداً، أنت مؤمن حينما تطيع الله عز وجل، أما حينما لا تطيعه فإيمانك بتعبير لطيف ليس بالمستوى الكافي ليحملك على طاعة الله، إذاً هذا الإيمان لا ينجيك، وتشوبُه قناعات ضبابية لكن لا ترقى إلى مستوى أن يمنعك من معصيته. قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ. سورة النور

ومن لوازم الإيمان

السمع و الطاعة وعدم الإصغاء إلى الشيطان، الإنسان حينما يتوهم أن للشيطان سلطاناً عليه فهو ضعيف الإيمان بآيات الله عز وجل، وهو سبحانه يقول: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
[ سورة النحل: 99] فعلامة إيمانك المبادرة إلى الطاعة، و حينما تدّعي أن الشيطان وسوس لك فالجواب القطعي ليس له عليك من سلطان، و الحقيقة الدامغة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [سورة الأحزاب: 36 ]

هذه ثلاث آيات، فمن لوازم الإيمان السمع و الطاعة، ومن لوازم الإيمان عدم الإصغاء إلى الشيطان، ومن لوازم الإيمان ألا تتردد في طاعة الله عندما يظهر لك أمره، فلندقق في آيات الربا؛ قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا” يخاطب المؤمنين اتقوا الله أي اتقوا عقابه، اتقوا إتلاف المال، اتقوا محق البركة، اتقوا التدمير﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة: 278]، وقف المفسرون عند قوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقفات متأنية، قال بعض المفسرين: إذا كان إيمانكم تاماً شاملاً لجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام فذروا ما بقي من الربا، إن كنت متصفاً بهذه الصفة فافعل كذا فإن لم تفعل فلست متصفاً بهذه الصفة، كأن الآية تقول: من لم يستجب لهذا الأمر يحكم على نفسه بأنه غير مؤمن..

أدلة من السيرة النبوية حول تحريم الربا

العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرة، و هم من بني عمرو بن عمير، فجاء الإسلام و لهما أموال عظيمة من الربا فتركوها حينما نزلت هذه الآية ” أيْ أنّ الصحابة استجابوا، وهم طبعاً كانوا يرابون، و كانوا يشربون الخمر، لكنهم عرفوا الله عز وجل فاستجابوا، وحينما حرمت الخمر كنت لا ترى في المدينة إلا الخمر تسيل في الشوارع، أهرقوا الخمر و كسروا الدنان وارتاحوا..

أي ان هناك شيء واضح وضوح الشمس أنه حلال، و هناك شيء واضح وضوح الشمس أنه حرام، و هناك أشياء مشتبهة، فعلامة الورع أن الذي اشتبه عليه يدعه ورعاً، يدعه و يستريح عمر بن الخطاب رضي الله عنه و أرضاه قال: “تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا”. (دع ما يَريبك إلى ما لا يريبك). [الترمذي عن الحسن بن علي] إذا اشتبه عليك أمر فدعه و استرح. “تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا”، وروى الإمام البيهقي عن ابن سيرين أن أبي بن كعب رضي الله عنه أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه فردها عمر رضي الله عنه، وسيدنا عمر أمير المؤمنين عملاق الإسلام الإمام العادل الرحيم، وأحد الصحابة الكرام يحب أُبَيّاً حباً جماً وله أرض فيها بستان و عنده فاكهة، ماذا فعل هذا الصحابي؟ قال: أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه طبقاً من فاكهة بستانه، وهذا شيء طبيعي جداً، ماذا فعل هذا الصحابي؟ سيدنا عمر ردها، الهدية ترد؟ لا ترد، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم:(قَالَ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ وَلا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] فهذا الصحابي الجليل ما زاد على أن قدم هدية لسيدنا عمر فردها عليه فقال أبي: يا أمير المؤمنين لِمَ رددت عليّ هديتي وقد علمت أني من أطيب أهل المدينة ثمراً؟ هذا بستاني أعمل به بعرقي وكدّ يميني، وهذه من ثمار بستاني وقدمتها لك هدية أسوةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له عمر: قد علمت أني أسلفتك عشرة آلاف درهم، وخشيتي أن يكون لهذه الهدية صلة بالقرض لذلك رددتها عليك.
فسيدنا عمر بن الخطاب لعلمه أن كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا، فدار في خلده أنه لعل هذه الهدية قدمتَها إليّ مكافأة لي على أني أقرضتك عشرة آلاف درهم، وخفت أن يكون هناك من علاقة بين هذا القرض وبين هذه الهدية فرددتها عليك، مع أنك طيب ومالك حلال وأنت أخ كريم ولكن هذا الذي حملني أن أردها عليك.
أحد أصحاب رسول الله أرسل غلاماً ليتجر له بالمال، بعث غلاماً له بأربعة آلاف إلى أصبهان ثم بلغه أنه قد مات، فركب إليه أو أرسل إليه فوجد المال قد بلغ أربعة وعشرين ألفاً، ربح ستة أمثال، فقيل له: إنه قد كان يقرض المال بالربا فأخذ هذا الصحابي الأربعة آلاف رأسماله وترك عشرين ألفاً، فقيل له خذه قال: ليس لي، قيل: هبه لنا، فتركه ولم يأخذ منه شيئاً، لأنه سمع أن هذا الكسب فيه شبهة الربا، أخذ رأسماله ولم يلو على شيء.
فهؤلاء الصحابة الذين أحبهم الله عز وجل، هؤلاء الذين رضي الله عنهم، هؤلاء الذين فتحوا البلاد ونشروا الإسلام في الآفاق، ما خرجوا بالإسلام إلا عندما كانوا ورعين ووقفوا عند حدود الله عز وجل.

المؤلف بتصرف: د. محمد راتب النابلسي

تقييم المقال في الاقتصاد الاسلامي
20out of 5
Visitors Vote
0out of 5

5

5 out of 5
Excellent

Related Articles

No comments

Write a comment
No Comments Yet! You can be first to comment this post!

Write a Comment

Your e-mail address will not be published.
Required fields are marked*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.