ويعتبر الإمام أبو حنيفة من الأئمة الذين اعتمدوا الرأي والقياس، ووضع الأسس النظرية للفقه الإصلاحي، وساعده بُعدُه ورفضُه الانخراط في سلك القضاء على نظرة أشمل فيما يتعلق بأحكام ومقتضيات التطبيق.

ويعتبر المذهب الحنفي بصفة عامة مذهبا مجددا احتوى على الكثير من الأفكار الجديدة، واعتمد على الإمعان في التعقل، من دون أن يخرج عن الحد المألوف عند مدارس الفقه الأخرى في الاجتهاد والرأي.

وقد تعرض الإمام أبو حنيفة وخاصة بعد وفاته إلى هجمات عدة تنتقص منه وترميه بالمجون والخروج عن الملة والإسراف في الرأي، إلا أن تلامذة الإمام ومريديه الكثر دافعوا عنه وعن آرائه، وفندوا الهجمة على إمامهم بالحجة والمنطق، ومنها الادعاء بأن أبا حنيفة قال بعدم خلود النار، وهو قول من أقوال الجهمية التي عارضها أبو حنيفة في حياته جهارا نهارا.

رفض الإمام أبو حنيفة منصب القضاء مرارا وتكرارا في أيام بني أمية وثبت على موقفه مع الدولة العباسية، الأمر الذي عرضه إلى غضب الخلفاء والسجن أكثر من مرة. وكانت وجهة نظره أن الإمام لا يجب أن يصير قاضيا، وقد مات الإمام أبو حنيفة في السجن نتيجة رفضه تولي القضاء.

ومن آيات إيمانه وإخلاصه لرسالة العلم أنه كان ينفق على تلاميذه المعسورين، مثل أبي يوسف الذي ترك الدرس والتحق بأبيه ليعيل أسرته فما كان من الإمام إلا أن استدعاه وأعانه، وعندما كبر الفتى أصبح الإمام الكبير وقاضي قضاة بغداد الشهير (أبي يوسف).

يقول الإمام أبو يوسف عن دعم الإمام أبي حنيفة له “دفع لي صرة وقال: استمتع بها. فنظرت فإذا فيها مائة درهم وقال: الزم الحلقة وإذا فرغت هذه فأعلمني، فلزمت الحلقة فلما قضيت مدة يسيرة دفع إلي بمائة أخرى (…) وما أعلمته بقلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء وكأنه يخبر (يعلم) بنفادها وظل كذلك حتى استغنيت”.

توفي الإمام أبو حنيفة عام 150 للهجرة (767 للميلاد) ودفن في بغداد في مقبرة الخيزران نسبة إلى الخيزران بنت عطاء زوج الخليفة العباسي المهدي، وفي عام 375 للهجرة (985 للميلاد) أي بعد وفاة أبي حنيفة بأكثر من قرنين، بني بجوار قبره مسجد سمي مسجد الإمام الأعظم الذي هو أحد ألقاب أبي حنيفة النعمان، ولا يزال المسجد الجامع شاخصا إلى يومنا هذا وتسمى المنطقة التي بجواره منطقة الأعظمية وهي تسمية مشتقة من لقب الإمام الأعظم، وهي من أعرق الحارات البغدادية.

المصدر : الجزيرة

المؤلف: أحمد الجنابي