Something went wrong with the connection!

الديوبندية (الحنفية الماتريدية) في بريطانيا: الفكر السائد في المساجد

الديوبندية (الحنفية الماتريدية) في بريطانيا: الفكر السائد في المساجد

بعدما عملت الصحافة البريطانية إينيس بوين مع فرانك غاردنر، مراسل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) للشؤون الأمنية عام ٢٠٠٣ على برنامج يكشف عن أخطار التطرف التي تهدد بريطانيا، اكتشفت أن المعلومات المتوفرة عن تركيبة المجتمع الإسلامي في البلاد شحيحة. وبعدما ملَّت من انتظار صدور كتاب يكشف لها خفايا المجتمع الإسلامي البريطاني، بادرت بوين الى كتابته بنفسها واختارت له عنوان “المدينة في برمنغهام والنجف في برينت”، وهو يرصد مساجد بريطانيا ويصنفها راسما خريطة للمجتمع الإسلامي في البلاد وكاشفاً عن المدرسة الديوبندية التي تذكر أن لديها أكثر من ٤٤ في المائة من المساجد في البلاد.
إلى ذلك، نتعمق في تلك المدرسة. وفي مقابلة مع بوين تروي لنا تجربتها في كشف خفايا الديوبندية وتنوُّع مساجدها وعلمائها الذين يتراوحون بين “معتدلين” ينددون بالإرهاب، ومتطرفين يجندون لحركة “طالبان”. ونعود لأصول ونشأة هذه المدرسة من الهند وظهورها في بريطانيا مستعينين بتصريحات من رئيس جمعية علماء بريطانيا الشيخ حافظ رباني. وأخيراً نحاول فهم أسباب انتشار التطرف في بريطانيا.

الإحصاءات كثيرة عن المسلمين في المملكة المتحدة – أو مجازاً، بريطانيا – وهي تفيد بأنهم يشكلون نحو أربعة في المائة من تعداد سكان البلاد، ويحتلون خمسة ونصفاً في المائة من المناصب الإدارية العليا في بريطانيا، ويحمل أكثر من أربعة وعشرين في المائة منهم شهادات جامعية، لكن، قلما تثير تلك الإنجازات فضول وسائل الإعلام والباحثين. ومع محاولة هي الأولى من نوعها لكشف تركيبة هذا المجتمع. رصدت الصحافية إينيس بوين المجموعات المسلمة المختلفة المقيمة في بريطانيا في كتابها “ المدينة في برمنغهام والنجف في برينيت”.

بَنت بوين كتابها على أساس أكثر من ثمانين حواراً وتحقيقاً أجرتها مع عناصر من مختلف الجماعات والبيئات المسلمة في بريطانيا، خلال سبع سنوات متواصلة وبمساعدة باحثين مسلمين بريطانيين من أصول باكستانية. وفي الكتاب الذي صدر خلال شهر حزيران الماضي استعرضت جميع مساجد بريطانيا وصنفتها، راسمة خريطة تراها معبرة عن واقع المجتمع الإسلامي في البلاد إلى حد بعيد.

وفي مقابلة ومع “الشرق الأوسط”، قالت بوين “مواطنو بريطانيا ليسوا ملمِّين بخلفيات المجتمع الإسلامي في البلاد وواقعه ولا يستوعبون مدى تعقيد تركيبته. ويعود ذلك لنقص المعلومات المتوفرة عن هذا المجتمع”. وتابعت:” من المهم أن يستوعب البريطانيون تركيبة المجتمع الإسلامي في البلاد لتفادي تكوين أحكام مسبقة أو أفكار معممة على جميع مكوِّناته”، مشيرة إلى أن الجهات الحكومية البريطانية المعنيَّة قرأت كتابها واعتبرته “مفيدا”.

الصحافية والباحثة البريطانية كشفت في كتابها أن أكثر المساجد في بريطانيا تقع تحت إدارة مدرسة فكرية هي الديوبندية. وتشير الإحصاءات التي توصل إليها الباحث محمود نقشبندي، والتي تعتمدها بوين في كتابها حول المساجد في بريطانيا، إلى أن “المساجد الديوبندية في بريطانيا تشكل من ٤٤ في المائة من العدد الكلي لدور العبادة الإسلامية في البلاد إذ تتعدى السبعمائة مسجد”.

ولقد توصلت بوين مع كبار مفكري المدارس الإسلامية والبعض رفض أن يقابلها، وعانت من ذلك الرفض مع أفراد المدرسة الديوبندية، إلا أنها – مع ذلك – استطاعت أن تكون الصحافية الوحيدة التي وافق الشيخ الديوبندي أبو يوسف رياض الحق على مقابلتها. وعن هذا الأمر قالت:” تراسلت معه بما كتب عنه، وطلبت توضيحاً مؤكدة له أنه في حال امتناعه عن التعليق، كنت سأذكره في كتابه بحسب المصادر التي اطلعت عليها ولكنه استاء وقبل مقابلتي لتبرير موقفه”.

وحول الجماعة الديوبندية في بريطانيا رأت بوين أنها “جماعة محافظة ومغلقة جداً وتحمل الكثير من التنوع بداخلها فتتراوح ما بين الإعتدال والتطرف”. واستطردت “إليها ينتمي جماعات شديدة السلمية وكذلك لدى البعض من عناصرها علاقات مباشرة مع حركة طالبان الأفغانية”. ويختلف كبار وجوه المدرسة الديوبندية من حيث طريقة تعاملهم مع المجتمع البريطاني، فالشيخ إبراهيم موغراً يعتبر من أئمة الديوبنديين المعتدلين، فهو يتابع مباريات كأس العالم لكرة القدم ويحل بصورة شبه دائمة ضيفاً على برامج شبكة الإذاعة “بي بي سي”. وفي المقابل بخلاف موغرا فإن المفتي محمد بن آدم الكوثري وهو أيضاً من أئمة المدرسة وفق كتاب بوين؛ ” يوصي في بريطانيا بالإبتعاد عن غير المسلمين”. هذا، مع أن الإمامين تخرجا من المدرسة ذاتها وهي “دار العلوم العربية الإسلامية” في مقاطعة لانكشاير بشمال غربي بريطانيا. وهنا تلح الحاجة لاستكشاف خفايا فكر المدرسة الديوبندية.

dobandy

ما هي الديوبندية؟

يشرح الشيخ حافظ إكرام الحق رباني، رئيس جمعية علماء بريطانيا، لـ “الشرق الأوسط” تاريخ وتفاصيل الفكر الديوبندي فيقول : إن “ هذا الفكر يعود إلى مدرسة في بلدة اليوبند في الهند أسستها مجموعة من علماء البلاد الإسلامية عام ١٨٥٧، ونمت المدرسة حتى أصبحت أكبر المعاهد الدينية للمذهب الحنفي هناك، ومن ثم أصبحت كل المدارس بكل أحجامها في الهند وبنغلادش وباكستان تدرس ذلك الفكر لتصل آثاره حتى إلى أفغانستان وروسيا”، وأضاف:” كان تأسيسها في البداية رداً قوياً ومباشراً على الهجمات التي كان يشنها البريطانيون في الهند آنذاك وبالتالي، كان طريقاً للمقاومة ولوقف الزحف الغربي والمدنية والمادية على شبه القارة الهندية ولإنقاذ المسلمين من مخاطر هذه الظروف، خاصة أن العاصمة دلهي خربت بعد الثورة بعدما سيطر عليها البريطانيون وخاف العلماء المسلمون على دينهم من أن يتعرض للإبتلاع”.

وبحسب الشيخ الرباني فإن أهم مباديء المدرسة “المحافظة على التعاليم الإسلامية والإبقاء على شوكة الإسلام وشعائره ونشر الثقافة الإسلامية ومحاربة الثقافة الإنجليزية منذ ذلك الزمان وإلى الآن، وأيضاً الإهتمام بنشر اللغة العربية لأنها وسيلة الإستفادة من منابع الشريعة الإسلامية والجمع بين القلب والعقل وبين العلم والروحانية”. ويؤكد ذلك أن الديوبنديين “ مجموعة محافظين يتمسكون بالتعاليم الإسلامية ويعتبرون الإنغماس بالمجنمعا غير الإسلامية ابتلاعاً للدين واستسلاماً للزحف الغربي”، ويركز الشيخ رباني أن “الديوبندية حنفية الفقه وماتريدية العقيدة”.

من الهند إلى بريطانيا

يؤكد الشيخ رباني على ما وجد بكتاب بوين حول كثرة انتشار المساجد في بريطانيا، إذ يقول إن:” معظم المسلمين في بريطانيا يتبعون الفكر الديوبندي”، ويضيف:” أغلبية المساجد والمراكز الإسلامية في بريطانيا أسسها الباكستانيون والهنود والبنغلادشيون ومن هنا جاء هذا الفكر”، ويستطرد:” مؤخراً بدأ الصوماليون بإنشاء المراكز والمساجد في بريطانيا”.

وبحسب كتاب بوين، فإن أهم مجموعتين من الفكر الديوبندي في بريطانيا هما دار العلوم وجماعة التبليغ والدعوة ومعظم قيادات كلا المجموعتين من أصول هندية أو باكستانية. دار العلوم العربية والإسلامية هي أهم وأكبر مدرسة إسلامية في بريطانيا توفر المنهاج المدرسي البريطاني إلى جانب التعليم الإسلامي أيضاً للذكور والإناث. وتقع نحو ٢٢ مدرسة تحت مظلة دار العلوم حول المملكة ومع أن التعليم في تلك المدارس محافظ إلا أن المناهج معتدلة وبعيدة عن التطرف.

وعلى خلاف ذلك، وثقت صحيفة “ التايمز” البريطانية الشهر الماضي في حادثة أخرى أمثلة عن استضافة دعاة اعبرتهم متطرفين من باكستان كحافظ سعيد ومسعود عازار وغيرهما في المساجد الديوبندية لإلقاء خطب، وحول ذلك تعقب بوين بقولها:” هناك أمثلة استضافت فيها بعض المساجد الديوبندية شخصيات من جنوب آسيا مرتبطة بالجماعات المتشددة هناك”، وتستطرد بحسب معلومات جمعتها:” وبعد الندوات تم تسهيل تجنيد بعض المسلمين البريطانيين وارسالهم لمعاقل تدريب المتطرفين في باكستان وتدرب في تلك المعسكرات العناصر التي قامت بتنفيذ هجمات ارهابية في بريطانيا بعد ذلك”. وبهذا نتساءل ان كانت أكبر مجموعة إسلامية في بريطانيا على علاقة بالتطرف داخل وخارج البلاد.

doyoband

هل التطرف في المدارس أو خارجها؟

يشدد رئيس جمعية علماء المسلمين في بريطانيا الشيخ رباني على أن الديوبندية هي المنهج المعتدل للإسلام والبعيد عن التطرف كل البعد”، وعن تفسيره حول السبب أن معظم قياديي حركة طالبان تخرَّجوا من المدارس الديوبندية، يقول رباني:” غالبية المدارس الموجودة في الإقليم الشمالي الحدودي مع أفغانستان هي ديوبندية وتخرج من التحقوا فيها هناك”، ويضيف:” لكن هذا لا يعني أن المدارس الديوبندية تنشئهم على التطرف أو على الإرهاب فليس في تلك المدارس مرفق ميدانية أو تدريبات لإستخدام الأسلحة وهي مدارس بسيطة جداً”. ويستطرد بقوله إنه:” هناك تيارات أخرى خارج الديوبندية هي التي أخذتهم واستغلتهم وحولتهم الى درب التطرف”. ويختتم قوله:” الجامعات ودور العلم تعطي العلم لكن الشخص نفسه يتجه لجهة معينة بعد ذلك وهذا الأمر يعود له”.

لندن: رنيم حنوش -الشرق الأوسط

تقييم هذا المقال
18out of 5
Visitors Vote
0out of 5

4.5

4.5 out of 5
Good

Tags assigned to this article:
مقالات

مقالات ذات صلة

لا يوجد تعليقات

كتابة تعليق
لا تعليقات حتى الآن! You can be first to comment this post!

كتابة تعليق

Your e-mail address will not be published.
Required fields are marked*